تعد قضية "العدالة الاجتماعية" في هيكل الأجور بليبيا من أكثر الملفات تعقيداً، حيث برزت فجوة كبيرة بين رواتب الجهات الرقابية والسيادية (وعلى رأسها ديوان المحاسبة) وبين رواتب المعلمين وموظفي القطاعات الخدمية. ومع حلول عام 2026، أصبح الجدول الموحد للمرتبات هو الحل الجذري الذي تسعى الدولة من خلاله لإنهاء ظاهرة "تضاعف الرواتب" وتحقيق التوازن المالي.
تطبيق الجدول الموحد للمرتبات في ليبيا: إنهاء "فجوة الرواتب" بين ديوان المحاسبة والقطاعات الخدمية 2026
لطالما عانى الجهاز الإداري في ليبيا من "تشوه" في منظومة الأجور، حيث كانت بعض الجهات الرقابية مثل ديوان المحاسبة تتمتع بكوادر ورواتب تتضاعف عدة مرات مقارنة بموظفي الوزارات الخدمية (مثل الصحة، التعليم، والزراعة). هذا التفاوت لم يخلق فقط استياءً وظيفياً، بل أدى أيضاً إلى تضخم بند المرتبات في الميزانية العامة وتدفق الكفاءات نحو الجهات السيادية فقط.
1. جذور المشكلة: لماذا تضاعفت رواتب ديوان المحاسبة؟
لسنوات طويلة، استندت الجهات الرقابية والسيادية في ليبيا إلى قوانين خاصة ولوائح داخلية استثنائية تمنح موظفيها مزايا مالية وعلاوات تمييز ضخمة.
الرواتب: كان راتب الموظف المبتدئ في ديوان المحاسبة يفوق أحياناً راتب "أستاذ جامعي" أو "طبيب استشاري" في الوزارات الخدمية بنسبة تصل إلى 300%.
الندب والإعارة: رصدت التقارير الرقابية (بما فيها تقارير ديوان المحاسبة نفسه عن الحكومة) أن العديد من الموظفين يتقاضون "رواتب مضاعفة" نتيجة الندب من وزارات خدمية إلى الجهات السيادية بمزايا مالية خيالية.
2. الجدول الموحد 2026: الحل لتوحيد "السقف"
جاء القانون رقم 18 لسنة 2023 وتعديلاته في 2026 لفرض نظام أجور موحد يسري على كافة الموظفين الوطنيين الممولين من الخزانة العامة.
أهداف الجدول الموحد تجاه الوزارات الخدمية:
رفع الحد الأدنى: زيادة مرتبات صغار الموظفين في قطاعات مثل التعليم والبلديات لتصل إلى مستوى معيشي لائق.
إلغاء الاستثناءات: إخضاع موظفي ديوان المحاسبة، ومجلس الوزراء، والجهات السيادية لنفس "السلم الوظيفي" المعمول به في الوزارات الأخرى، مع بقاء "علاوة تمييز" مقننة وواضحة لا تتجاوز نسباً معينة.
العدالة في الدرجات: ربط المرتب بالدرجة الوظيفية والمؤهل العلمي والخبرة، وليس بالجهة التي ينتمي إليها الموظف.
3. مقارنة: قبل وبعد تطبيق الجدول الموحد
| الفئة الوظيفية | النظام السابق (تقديري) | نظام الجدول الموحد 2026 |
| موظف ديوان المحاسبة (درجة 8) | 5,500 - 7,000 د.ل | 2,800 - 3,500 د.ل (أساسي) + علاوات محددة |
| معلم/موظف خدمي (درجة 8) | 900 - 1,200 د.ل | 2,800 - 3,500 د.ل (أساسي) |
| الفجوة المالية | تفاوت يصل لـ 5 أضعاف | تقارب بنسبة 80% إلى 90% |
4. مشروع "راتبك لحظي" ودوره في تنفيذ الجدول
لضمان نجاح هذا التحول، أطلق مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية مشروع "راتبك لحظي" (الذي بلغت نسبة نجاحه 72% في أبريل 2026).
المطابقة المالية: تقوم المنظومة برفض أي مرتب يتجاوز السقف المحدد في "الجدول الموحد" لكل درجة وظيفية.
كشف الازدواجية: بفضل الرقم الوطني، تم إنهاء ظاهرة تقاضي الموظف لمرتب من وزارة خدمية ومكافآت من جهة رقابية في آن واحد.
5. التحديات والمعوقات أمام الجدول الموحد
رغم الإرادة الحكومية، واجه تطبيق الجدول الموحد تحديات، أبرزها:
اعتراضات الجهات السيادية: حاولت بعض الجهات التمسك بخصوصيتها المالية بدعوى استقلاليتها الرقابية والقضائية.
تضخم الملاك الوظيفي: وجود مئات الآلاف من الموظفين الفائضين عن الحاجة في الوزارات الخدمية يجعل أي زيادة بسيطة في المرتب تكلف الميزانية مليارات إضافية.
العلاوات الخاصة: لا يزال الجدل قائماً حول "علاوة طبيعة العمل" و"علاوة المخاطرة"، وكيفية توزيعها بعدالة دون أن تتحول إلى "مرتب مستتر".
وانتقد غيث السياسات الأخيرة المتعلقة بزيادة الأجور لقطاعات معينة، موضحاً التداعيات القانونية والاجتماعية:
خرق الميزانية: أكد أن القانون المالي يمنع إقرار أي زيادة في النفقات المعتمدة ما لم تُدرج مسبقاً في الموازنة، معتبراً الوعود الأخيرة “غير قانونية”.
ازدواجية المعايير: أشار إلى غياب المنطق في أن يتقاضى خريج جامعي في جهة رقابية (مثل ديوان المحاسبة) ضعف راتب زميله في الوزارات الخدمية، مؤكداً أن الحل الوحيد هو “الجدول الموحد”.
تأجيج المطالب: حذر من أن تمييز جهات معينة سيدفع كافة الوحدات الإدارية للمطالبة بزيادات مماثلة، مما سيزيد من تضخم بند المرتبات.
إجراءات المركزي وسوق العملة
بشأن حزمة الضوابط التي أعلنها المحافظ ناجي عيسى مؤخراً، كان لغيث موقفاً متحفظاً:
رهن التنفيذ: اعتبر أنه من المبكر الحكم على إجراءات المركزي لأنها “لم تُطبق فعلياً” على أرض الواقع بعد.
معيار النجاح: شدد على أن أي إجراء لا يستهدف “تقليص دور السوق السوداء” بشكل مباشر لن يشعر به المواطن في صورة خفض حقيقي لأسعار السلع والتضخم.
شكوك حول “الاتفاق التنموي” ومصادر التمويل
أبدى المسؤول السابق تخوفات جدية بشأن استدامة التمويل والرقابة:
غياب الرقيب: أكد عدم وجود ضمانات لالتزام الأطراف بالاتفاق التنموي في ظل غياب مؤسسة محايدة تملك سلطة الرقابة وفرض الالتزام.
تحذير من “استنزاف الأصول”: أعرب غيث عن قلقه من احتمالية لجوء الأطراف السياسية لاستخدام أموال شركات سيادية (مثل الاتصالات والكهرباء) أو حتى الوصول لأصول المؤسسة الليبية للاستثمار لتمويل الإنفاق الجاري، مما قد يهدد المدخرات الاستراتيجية للدولة.
الخلاصة: الطريق نحو استقرار إداري
إن تطبيق الجدول الموحد للمرتبات في ليبيا لعام 2026 ليس مجرد "تعديل أرقام"، بل هو ثورة إدارية تهدف لإعادة الاعتبار للموظف في الوزارات الخدمية الذي يمثل العمود الفقري للدولة. إنهاء امتيازات "ديوان المحاسبة" والجهات المماثلة ودمجها في منظومة وطنية واحدة هو الضامن الوحيد لمنع هجرة الكفاءات من القطاعات الحيوية وتحقيق السلم الاجتماعي.
الجدول الموحد للمرتبات ليبيا، رواتب ديوان المحاسبة 2026، وزارة المالية ليبيا، الإفراجات المالية، زيادة مرتبات التعليم والصحة، راتبك لحظي
تعليقات
إرسال تعليق